محمد سعيد رمضان البوطي

211

فقه السيرة ( البوطي )

الحصول على تلك الغنائم ، وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه صلى اللّه عليه وسلم ، في فيء بين النضير ، وهي قوله تعالى : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [ الحشر : 6 ] وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم ، ارتفع الحكم معه ، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم ، سواء في ذلك الأراضي وغيرها . ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة ، من أهمها : عمل عمر رضي اللّه عنه حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق ، وجعلها وقفا يجري خراجها ريعا للمسلمين وليس المجال هنا متسعا لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع . إنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا ، هو التعليل الذي ذكره اللّه تعالى في الآيتين اللتين أوضحتا سياسته عليه الصلاة والسلام في تقسيم فيء بني النضير إذا اختص به أناسا دون آخرين ، فقد ذكر اللّه تعالى في تعليل ذلك قوله : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [ الحشر : 7 ] أي كي لا يكون تداول المال محصورا فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط . والتعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال ، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ ، وإن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبتغى من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها ، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها . ولو طبّقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش ، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعا مكتفون ، ليس فيهم كل على آخر وإن كانوا جميعا يتعاونون . والمهم أن تعلم أن اللّه تعالى لما جعل حكمة شريعته في الدنيا إقامة هذا المجتمع ، شرّع لذلك وسائل وأسبابا معينة ألزمنا باتّباعها وعدم الخروج عليها ، أي إن اللّه تعالى تعبدنا بكل من الغاية والوسيلة معا ، فلا يجوز أن يقال : إن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الاجتماعية ، فلنسلك إلى ذلك ما نراه من السبل والأسباب ، بل إن هذا يعد خروجا على كل من الغاية والوسيلة معا ، فلن تتحقق الغاية التي أمرنا اللّه تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التي شرعها لنا سبيلا إلى تلك الغاية ، والتاريخ أعظم دليل والوقائع أكبر شاهد .